محمد متولي الشعراوي

4369

تفسير الشعراوى

لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 153 ) ( سورة الأعراف ) وقوله : ثُمَّ تابُوا أي ندموا على ما فعلوا وأصروا وعزموا على ألّا يعودوا ، ونعلم من قبل أن التوبة لها مظهريات ثلاثة ؛ أولا : لها مظهرية التشريع ، ولها مظهرية الفعل من التائب ثانيا ، ولها قبولية اللّه للتوبة من التائب ثالثا . ومشروعية التوبة نفسها فيها مطلق الرحمة ، ولو لم يكن ربنا قد شرع التوبة في ذاتها لتعب الخلق جميعا ؛ لأن كل من عمل سيئة ، ولم يشرع اللّه له التوبة سيستشرى شره في عمل السيئات . لكن حين يشرع ربنا للمسىء التوبة ، ويدعو العبد للكف عن السيئة فهذه رحمة بالمذنب ، وبالمجتمع الذي يعيش فيه المذنب . بعد ذلك يتوب العبد ، ثم يكون هنا مظهرية أخرى للحق ، وهو أن يقبل توبته . التوبة - إذن - لها تشريع من اللّه ، وذلك رحمة ، وفعل من العبد بأن يتوب ، وذلك هو الاستجابة ، وقبول من اللّه ، وذلك هو قمة العطاء والرحمة منه سبحانه . وقوله الحق : وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا ( من الآية 153 سورة الأعراف ) إنّ هذا القول يدل على أن عمل السيئة يخدش الإيمان ، فيأمر سبحانه عبده : جدّد إيمانك ، واستحضر ربك استحضارا استقباليّا ؛ لأن عملك السيئة يدل على أنك قد غفلت عن الحق في أمره ونهيه ، وحين تتوب فأنت تجدد إيمانك وتجد ربك غفورا رحيما : إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ . إن ذنب العبد يكون فيما خالف منهج ربه في « افعل » و « لا تفعل » ، وما دام العبد قد استغفر اللّه وتاب فسبحانه يقبل التوبة . ويوضح : إذا كنت أنا غفورا رحيما ، فإياكم يا خلقي أن تذكّروا مذنبا بذنبه بعد أن يتوب ؛ لأن صاحب الشأن غفر ، فإياك أن تقول للسارق التائب : « يا سارق » ، وإياك أن تقول للزاني التائب : « يا زانى » ، وإياك أن تقول للمرتشى التائب : « يا مرتشى » لأن المذنب